تخطّي إلى المحتوى
المجلد الأول · إصدار ١٤٤٧هـEST. 1442 AHدولة الكويت
ويكي خير
موسوعة العمل الإنساني

أعلام العمل الخيري رجال

أحمد محمد حسين البغلي

أحمد محمد حسين البغلي
أحمد محمد حسين البغلي
أحمد محمد حسين البغلي رحمه الله

في الكويت القديمة، يوم كانت البيوت متقاربة، والأسواق محدودة، والمهن تُورث من الآباء إلى الأبناء كما تُورث القيم والسمعة الطيبة، نشأ الحاج أحمد محمد حسين محمد عيسى البغلي، المعروف بـ«بوحسين». وُلد في الكويت سنة 1261هـ الموافق 1848م، بعد أن استقرت أسرته فيها قادمة من الأحساء، حاملة معها خبرتها الطويلة في خياطة البشوت والمتاجرة بها. لم تكن تلك الحرفة بالنسبة إلى الأسرة مجرد وسيلة لكسب الرزق؛ كانت مدرسة يتعلم فيها الصغير الصبر، ودقة الصنعة، والاعتماد على النفس، وقيمة أن يأتي المال من طريق يعرف صاحبه كيف بدأ وأين انتهى.

نشأ أحمد في منطقة الصوابر في بيت بسيط، ولكنه كان غنيًا بالألفة وروح العمل. رأى والده وإخوته يكدحون، فدخل معهم عالم البشوت منذ صغره، وتعلم إلى جانب ذلك القرآن الكريم والقراءة والكتابة في الكتاتيب، كما كان يفعل أبناء جيله قبل انتشار التعليم النظامي. وهكذا تشكلت شخصيته بين المسجد والسوق والبيت؛ من المسجد أخذ قيم الدين، ومن السوق تعلم الانضباط وحفظ الحقوق، ومن البيت عرف معنى المسؤولية وصلة الرحم.

ومع مرور السنوات، لم يبق أحمد البغلي مجرد صانع أو بائع للبشوت، بل أصبح واحدًا من أبرز تجارها في الكويت في زمانه. اتسع نشاطه، وصار له ديوان كبير تعمل فيه أعداد من الخياطين، وتقصده شخصيات من التجار والوجهاء وأصحاب المهنة. كان البشت آنذاك قطعة ذات مكانة اجتماعية واقتصادية كبيرة، وكانت صناعته تحتاج إلى خبرة ودقة وسمعة موثوقة، وقد استطاع البغلي أن يبني لنفسه مكانة راسخة في هذا المجال، وأن تمتد علاقاته التجارية إلى خارج الكويت. ومع المكانة المهنية جاءت المكانة الاجتماعية؛ فغدا ديوانه ملتقى للناس، وأصبح مرجعًا لأبناء أسرته، حتى عُرف بأنه عميد لعائلة البغلي في زمنه.

غير أن الجانب الأهم في حكايته لم يكن مقدار ما حققه من نجاح، وإنما ما فعله بهذا النجاح.

فالرجل، كما تصوره الروايات التي حفظتها الأسرة، لم يكن ينظر إلى المال باعتباره شيئًا يُجمع لذاته، بل نعمة يمكن أن تتحول إلى سترٍ لمحتاج أو خبزٍ لفقير أو مكانٍ يعبد فيه الناس ربهم. وهنا بدأت ثروته تتخذ معنى آخر؛ خرجت من دائرة الملك الخاص إلى دائرة المنفعة العامة.

كان من أكثر أعماله دلالة على فهمه العميق لحاجات الناس تخصيصه عددًا من البيوت لإسكان الأسر الفقيرة من دون مقابل. فقد امتلك اثني عشر بيتًا في منطقة الشرق، ولا سيما في المنطقة التي عرفت بـ«محلة البغلي» وما جاورها، وجعلها سكنًا لعمال وأسر محدودة الدخل، وبينهم من يعملون في الحرف البسيطة والوافدون الذين لم تكن دخولهم تسمح لهم باستئجار مسكن مناسب. وتؤكد الوثائق التي رجعت إليها الأسرة أن الساكنين في هذه البيوت لم يكونوا يدفعون مقابلًا ماديًا.

وهنا تظهر خصوصية إحسانه؛ فالفقير لا يحتاج دائمًا إلى مبلغ نقدي عابر، وإنما قد يكون أكثر ما يحتاجه سقفًا ينام تحته مطمئنًا، ومكانًا يحفظ كرامته وأسرته. كان أحمد البغلي، قبل أن تتبلور مفاهيم الرعاية السكنية الحديثة بعقود طويلة، يمارس نموذجًا اجتماعيًا بسيطًا في شكله، عظيمًا في أثره: بيت يملكه ولكنه يتركه لمن لا يملك بيتًا.

ولم يتوقف خيره عند الكويت. فقد بقيت صلته بجذور أسرته في الأحساء حاضرة، فأوقف مع إخوته نخيلًا عُرف بـ«نخل التحتية» وجُعل ريعه للفقراء والمساكين، كما امتلك مزرعتي نخيل أخريين هما «نخل الحنجة» و«نخل المربعة»، وكان يتبرع بجزء من إنتاجهما من التمور للمحتاجين. وهكذا كانت النخلة بالنسبة إليه أكثر من ملك زراعي؛ كانت موردًا يتجدد مع المواسم، ويتجدد معه العطاء.

ومن أجمل صفحات سيرته علاقته بمسجد الحاكة في منطقة الشرق. ففي عام 1919م اشترى قطعة أرض في «محلة الحاكة»، ثم لم يمض على شرائها سوى سبعة وعشرين يومًا حتى أخرجها من ملكه وجعلها وقفًا لبناء مسجد. وانضمت إليها أرض قدمها الحاج محمد سالم السالم، وأسهم الحاج حسين إبراهيم البحراني في تكاليف البناء، فقام المسجد بتضافر أيادي أهل الخير. كان المسجد يخدم أهل الحي والحرفيين والعاملين في المنطقة، وتحول إلى جزء من حياتهم اليومية؛ يصلون فيه ويلتقون حوله ويتعلمون القرآن.

ولعل أجمل ما في شخصية أحمد البغلي أن الخير لم يبق عملًا فرديًا ينتهي بانتهاء صاحبه؛ فقد تسلل إلى بيته وصار جزءًا من ثقافة أسرته. وتشير سيرته إلى أن أبناءه وبناته أوصوا من بعده بأجزاء من أموالهم للفقراء والمحتاجين، فكأن الأب لم يترك لهم المال وحده، وإنما ترك الطريقة التي ينبغي أن يُنظر بها إلى المال. وهذا هو الإرث الأعمق: أن يتحول المعروف من فعل يفعله الإنسان إلى قيمة تتوارثها الأسرة.

ولم يكن عطاؤه منفصلًا عن إحساسه بوطنه. فعندما مرت الكويت بأوقات الشدة، كان حاضرًا مثل أبناء جيله. شارك في الدفاع عن البلاد في أحداث حرب الجهراء، كما شارك سنة 1920م في بناء السور الثالث للكويت، مساهمًا بجهده وماله في العمل الذي اجتمع عليه أهل البلد لحمايتها.

وبذلك تتكامل صورته: تاجر يعرف السوق، وصانع يعرف قيمة العمل، ووجيه يعرف حق الناس، ومحسن يرى في المال أمانة، ومواطن يظهر حين يحتاج الوطن إلى رجاله.

امتدت حياته نحو ثمانين عامًا، وتوفي قرابة سنة 1930م. وعندما رحل لم يكن ما تركه وراءه مجرد عقارات أو تجارة ناجحة؛ ترك بيوتًا سكنت فيها أسر فقيرة، ونخيلًا أكل من ثمره محتاجون، وأرضًا تحولت إلى مسجد، وذكرًا بقي حاضرًا في أسرته وبين من عرف سيرته.

وتلك ربما خلاصة حكاية أحمد البغلي: رجل بدأ حياته بالإبرة والخيط، لكنه انتهى وهو ينسج شيئًا أكبر من البشوت؛ نسيجًا من الستر والرحمة والتكافل، بقيت خيوطه ممتدة بعد رحيله.

المرجع:

كتاب محسنون من بلدي الجزء 14 د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي

التصنيفات:

→ العودة إلى تصنيف «أعلام العمل الخيري رجال»